بعد الفاجعة… شمس مليانة و شموس الجزائر المغيبة …

0
669
Redouane Boudjema

 جسور للغد

9بعد الفاجعة… شمس مليانة و شموس الجزائر المغيبة …

كيف يمكن أن تكتب عن مليانة… قبلة المقاومة و التصوف، و الثقافة، والحركة الكشفية الضاربة في أعماق تاريخ الجزائر؟ كيف يمكن أن تكتب عن مليانة غداة توديع ابنها وابن الجزائر بعد عملية اغتيال تعجز كل لغات العالم عن وصف بشاعتها؟ كيف أحكي زيارتي لها في جو الكراهية المعممة و الجهل المؤسس الذي يقتل كل أمل في الحياة؟ و لماذا يجب الكتابة عن مليانة في هذا الظرف بالذات الذي يغيب فيه العقل و يغتال ؟ و لماذا لابد أن نكتب عن الثقافة و التاريخ و المقاومة عندما نتحدث عن مليانة في هذه الظروف الأليمة؟ و كيف يمكن القول أن تعميم الجهل هو سياسة مدروسة لدفن كل رموز الجزائر الذين صنعوا مجدها وحرورها من كل الغزاة؟ و كيف من الواجب القول أن محاربة رموز الجزائر هو جزء من الفساد المعمم الذي يهدف إلى ايجاد مواطن هش لا يؤمن بأي شيء و لا يعرف اي شيء و يمكن أن يتأثر بأي شيء؟ لماذا غيبت شمس مليانة كما غيبت رموزها و رموز الجزائر؟

عندما تتحدث عن مليانة ستكتشف أشياء كثيرة غيبت عن غالبية الجزائريين و الجزائريات و ربما غالبية سكان مليانة؟ لأن التاريخ طمس بشعارات « البطل الوحيد هو الشعب » ، « لأن الكثير ممن احتكروا السلطة و الثروة لا يريدون الحديث عن رموز تقتدي بها الأمة في مسيرتها الطويلة؟ زرت الاثنين الماضي مدينة مليانة التي لم أزرها من قبل رغم أنني بلغت من العمر ما بلغت، كنت أعرف عن مليانة بعض العموميات من خلال احتكاكي بأستاذي محمد عبد اللطيف بوزار الذي تنحدر عائلته العريقة من هذه المدينة، وهي العائلة الصوفية التي تعرف عدة مريدين للشيخ سيد أحمد بن يوسف، والتي أنجبت الكثير من المناضلين على رأسهم والده حمدان أحد وجوه حزب الشعب الجزائري والكشافة الإسلامية الجزائرية، كما أعرفها من قراءتي لمذكرات الراحل حسين آيت أحمد والذي قضى عاما دراسيا بها رفقة الكثير من وجوه الحركة الوطنية في الثانوية المعروفة اليوم باسم الشهيد مصطفى فروخي، وأعرفها كذلك من خلال أستاذي المجاهد زهير إحدادن الذي كان أستاذا في الثانوية ذاتها في عام 1955، واعرفها من أحد طلبتي السابقين سيد أحمد بلونة الذي كان مثالا في الاجتهاد والأدب وحسن الخلق من بين الكثير من الطلبة.

كانت زيارتي بالأساس من أجل القيام بواجب العزاء لعائلة جمال بن سماعين، وقد دخلت المدينة بعدما كنت على اتصال ببعض الأصدقاء هناك ممن يعرفون الشاب جمال بن سماعين أو عائلته، الذي اغتيل بشكل يعيد كل النقاشات العلمية حول عمق العنف الاجتماعي والكراهية والجهل الذي تعمق في المجتمع بسبب غلق الفضاء العمومي وغياب انتاج المعنى والتواصل بين الأجيال، وانهيار مؤسسات التنشئة السياسية والثقافية والاجتماعية وغياب الدولة كمؤسسة تنتج خطاب المواطنة الذي يجمع ولا يفرق ويبني ولا يهدم، المؤسسات التي تخضع للمساءلة حول ضمان أمن الأشخاص والممتلكات. كانت الساعة التاسعة والنصف صباحا عندما دخلت المدينة، ولا يمكن أن تنسى الوقت وساعة المدينة العملاقة تقابلك، ساعة وضعت في 1856 بعد تهديم المسجد التركي، فتمت المحافظة على المنارة فقط ووضعت الساعة فيها.أول ما يشدك عند دخول المدينة الأشجار التي في مدخلها..

أشجار تذكرك بمدخل مدينة الحماديين بجاية، أول وجهة في هذه الزيارة كان مركز الخلافة الذي بناه الأمير عبد القادر بعد دخوله مليانة عام 1835، والذي تحول إلى مقر لمتحف المدينة ويحمل اسمه، تجولت بالمتحف مع شرح لأهم الحقب التاريخية التي عرفتها أحد أعرق المدن في الجزائر من تسميتها القديمة التي تعود إلى العهد البربري « زوكابر » إلى تسمية مليانة مع الحقبة الاسلامية في عام 972 ميلادي، والتي يعود تأسيسها كمدينة إسلامية وسيطة إلى ابي الفتح بولوغين بن زيري الصنهاجي، وعرفت كمدينة في عهد المرابطين والموحدين والزيانيين. في بهو المتحف كان في انتظارنا أحد أهم المختصين في تاريخ مليانة، المؤرخ والفنان عباس بن بوسف الذي حدثنا عن التاريخ القديم والوسيط والحديث للمدينة بشكل مختصر وعميق في ربع ساعة، حدثنا عن المدينة في بعدها الأمازيغي والعربي والاسلامي، وعن الأمير عبد القادر وعن الشيخ سيد أحمد بن يوسف، وحديث المؤرخين والرحالة المسلمين عن مليانة من ابن حوقل في كتاب وصف افريقيا.. وبن خلدون والادريسي والرحالة.. وغيرها من الأسماء الكبيرة التي مرت على مليانة.الشهيد فروخي..

النائب الذي فضح همجية الاستعمار في منطقة القبائل عام 49 دخلت مليانة برفقة البنت الوحيدة للشهيد مصطفى فروخي، هذا الدبلوماسي الذي ولد في 15 ديسمبر 1922 بمليانة والذي كان يوم استشهاده سفيرا للحكومة المؤقتة في الصين، وهو أحد أهم وجوه حزب الشعب الجزائري في مليانة، وأول دبلوماسي استشهد بعد حادثة سقوط الطائرة التي كان يستقلها هو وزوجته وثلاثة من أبنائه، نسيبة، سعاد وأحمد شوقي في 17 أوت عام 1960 في أوكرانيا، وبقيت زليخة ابنته البكر يتيمة في الثامنة من العمر، وهي التي كانت في مليانة مع جدها وجدتها.الشهيد مصطفى فروخي هو واحد من 91 إطارا ساميا من إطارات الحكومة المؤقتة، نظرا لكفاءته السياسية والدبلوماسية، كان نائبا في المجلس الجزائري عن حركة انتصار الحريات الديمقراطية.في 20 سبتمبر عام 1949، قامت السلطات الاستعمارية الفرنسية بعملية واسعة هدفها الانتقام من سكان منطقة سيد علي بوناب، فتم قمع وتعنيف المدنيين، كما تم حرق مسجد قرية حيدوسة وتعذيب العشرات، وحجة الفرنسيين البحث عن الأسلحة وبعض « المخربين » ووجود إرادة من جزائريين لحمل السلاح ضد الاستعمار، الشهيد مصطفى فروخي يزور المنطقة رفقة نواب آخرين، ويقوم بتوثيق وتصوير مختلف الجرائم الاستعمارية، ويستخدم منصة البرلمان للتنديد بكل خروقات حقوق الإنسان، وهذا لم يعجب الحكومة الفرنسية التي اتهمت فروخي ورفقائه بنشر أخبار غير صحيحة وغير مؤسسة، بل وقادت حملة تغليط واسعة شاركت فيها كل وسائل الدعاية الفرنسية.

روح التصوف والمقاومة تبحث عن مشروع بناء الرموزمن متحف الأمير عبد القادر توجهنا مع السيدة زوليخة فروخي مشيا على الأقدام نحو مسجد الشيخ سيد أحمد بن يوسف، ورغم حرارة الجو ومتاعب الصوم، لم تغادر الابتسامة وجهها، وكانت تستمع باهتمام كبير لكل الأسئلة التي كنت أطرحها، دخلنا المسجد وزرنا ضريح الشيخ، وقبور الكثير من مريديه، كما توقفنا عند المنارة التي يتم إخراجها مرة كل سنة للاحتفال بالمولد النبوي الشريف، منارة تعلم الأجيال روح التضامن ومساعدة الفقراء، فالمنارة تخرج في الصباح الباكر وتمر على كل بيوت المدينة، فكل بيت يساهم بما يستطيع، ومع صلاة العصر تعود المنارة من حيث انطلقت، وبعد أداء الصلاة يتم بيع كل ما حملته المنارة في المزاد ليتم توزيع المساعدات على الفقراء والمساكين.الشيخ سيد أحمد بن يوسف عاش مدة معتبرة في تمقرة ببجاية بمعهد الشيخ العيدلي، وتعلم فيها علوم القرآن والسيرة والتصوف على يد الشيخ أحمد زروق.الشيخ سيد احمد بن يوسف كان رحالة يتنقل بمختلف مناطق الجزائر منها منطقة القبائل، والكثير من الروايات التاريخية تقول إن له أحفاد في قرية تيزغوين بزكري التي دمرتها الحرائق الأخيرة.. الشيخ سيد أحمد بن يوسف يملك من الحكمة والسلطة الرمزية ما يمكنه من إصلاح ذات البين وحل الصراعات التي كانت تعرفها القرى بسبب المياه والميراث… وغيرها من المشاكل.سمعة الشيخ بن يوسف كانت تشع من مليانة إلى أدرار والمغرب، ومن مليانة إلى بجاية، وهو أحد رموز الإسلام المطموسة في هذا البلد، بسبب الاستخدام المأدلج للإسلام في معارك سياسية هدفها الثروة والاستمرار في السلطة أو الاستحواذ عليها. قرأنا الفاتحة وانصرفنا ونحن نسأل عن بناية كبيرة امام المسجد، تبين انها فندق لم يفتح ابوابه رغم اكتمال انجازه، لأنه لايزال ينتظر رخصة الاستغلال التي لازالت حبيسة ادراج البروقراطية التي لا تحفظ الذاكرة ورموز الوطن ولا تسير حاضره وقد ترهن مستقبله.

الساعة الحادية عشر والربع، نتوجه نحو الثانوية التي جمعت في عامي 1943 و1944، العديد من شباب الحركة الوطنية، حيث شكل التقاءهم منعرجا حاسما في مسار الحركة الوطنية، خاصة وأن مليانة كانت عاصمة الحركة الكشفية مع مؤسسها ابن مليانة الشهيد محمد بوراس..أول ما يشدك عند مدخل الثانوية صورة لوحة من الرخام كتب عليها حرفيا ما يلي: « باسم الله الرحمان الرحيم.. في الثاني والعشرون رجب 1439 الموافق للتاسع من أفريل 2018، تفضلت معالي وزيرة التربية الوطنية السيدة نورية بن غبريط بتدشين ثانوية فروخي مصطفى بعد إعادة التأهيل بمليانة »، وبعيدا عن التركيبة اللغوية للوحة وحكاية إعادة التأهيل وغيرها، لم أجد داخل الثانوية حديث عن اي اسم مهم في الهوية التاريخية لهذه الثانوية، فحتى اسم الرئيس أحمد بن بلة الذي قرر تسمية الثانوية باسم الشهيد فروخي في جوان 1963 غير موجود، عند دخول الثانوية تقابلك صورة الشهيد مصطفى فروخي مع غياب أي نصب أو لوحة توضح السيرة الذاتية للشهيد مصطفى فروخي، فكيف يمكن للأجيال التي تتعاقب على هذه الثانوية أن تعرف من يكون هذا الشخص الذي يحمل اسم الثانوية التي يدرسون فيها؟دخلنا بهو الثانوية فوجدنا مديرها هناك رفقة عاملين اثنين، بعد تبادل التحية، بدأنا نتحدث عن تاريخ الثانوية، ورحت أسأل عن القسم الذي كان يدرس فيه الشهيد أمحمد بوقرة والشهيد الدكتور يوسف دمرجي، وامحمد حاج حمو والمجاهد الراحل حسين آيت أحمد والمجاهد سعيد شيبان..

وغيرهم، أكثر من أربعين تلميذا من مليانة وخميس مليانة وتنس والشلف ودلس وبجاية والجزائر العاصمة وغرداية وبرج منايل وبجاية وتيزي وزو، للأسف كل أسئلتنا المتعلقة بهوية المؤسسة لم نجد لها جوابا، وهو ما جعلني أعطي للمدير مثالا عن جامعة لا يبتزيش العريقة بألمانيا الشرقية التي زرتها عام 2016 ووجدت فيها أسماء أشهر الطلاب والأساتذة والفلاسفة الذين مروا منها من ماركس إلى هيجل وغيرهم، جامعات تحتفظ حتى بالطاولات والكراسي التي كان يجلس عليها هؤلاء العظماء، فكيف يمكن لبلد أن يحافظ على استمراريته وتواصله بين الأجيال ومؤسساته حريصة على وضع أسماء الوزراء الذين يسيرون القطاعات، ولكن لا يكترثون لأجيال احترقت من اجل الحافظ على بقاء المجتمع. يقول البروفيسور السعيد شيبان عن هذه الفترة في شهادة له « اجتمعنا في العام الدراسي كمجموعة من التلاميذ ونحن في سن المراهقة في العام الدراسي 43-44، بعد انقطاع الدراسة سنة كاملة بعد قنبلة ثانوية بوجو في الحرب الثانية (الأمير عبد القادر حاليا بالعاصمة)، وبعد غلق ثانوية بن عكنون (المقراني حاليا) بسبب الحرب الثانية ودخول الحلفاء الجزائر العاصمة، وبعد تضييعنا سنة دراسية كاملة التحقنا بهذه الثانوية في مليانة »، وفي هذه المدينة يقول شيبان استقبلنا سكان مليانة بلطفهم وحظينا بأحسن استقبال رغم صعوبات ظروفهم ».مليانة بالنسبة للأستاذ شيبان آنذاك هي مسجد سيد أحمد بن يوسف والحفلات الدينية فيه، والكشافة الاسلامية مع محمد بوراس وحمدان بوزار وصادق الفول، وجبل زكار الذي كان يخيم فيه التلاميذ مع فوج بن خلدون للكشافة، والنشاط الليلي الذي لا ينقطع والذي جعل جيلا من الشباب الذين جاؤوا من مختلف مناطق الوطن ليتعرف بعضهم على الاخر ويتناقشون في اوضاع البلد ويفكرون ويختلفون ويبنون المقاومة..حسين أيت أحمد: « لازلت أتذكر نشاطنا الثقافي الغزير في مليانةيقول حسين آيت أحمد في الصفحة 36 من مذكراته: « و ينبغي القول إنه نتيجة للتيار الوطني الجارف الذي مس الجزائر من أقصاها إلى أقصاها بعد إنزال الحلفاء في نهاية 1942، ساهم حزب الشعب بقوة في رفع المستوى السياسي عن طريق المحاضرات والمناقشات، متجاوزا بذلك الرقابة الاستعمارية المسلطة على الجرائد الوطنية، ولكن يجب القول والتأكيد على أننا نحن الشباب كنا قبل كل شيء وطنيين جزائريين، كنا متعطشين للثقافة وبصفة مطلقة للبحث عن جذورنا، ولازلت أتذكر نشاطنا الثقافي الغزير في مليانة في العام الدراسي 1943/1944، والأفكار الكثيرة التي كنا نتداولها داخل فرع الحزب وخارجه، مع طلبة الفلسفة من مدرسة تكوين الأساتذة، والذين حولهم نظام فيشي إلى ثانويين.

« شهادة آيت أحمد مهمة جدا، فهي تحدثنا عن مليانة والنشاط الثقافي الغزير لتلاميذ الثانويات في سن المراهقة، وعن رفع مستوى النقاش السياسي لمناضلي حزب الشعب، وفتح تلاميذ الثانوية نقاشا مع طلبة مدرسة تكوين الأساتذة (ثانوية محمد عبده حاليا)، والتي كانت طاوس عمروش واحدة من طلبتها في عام 1930، وعلي العيمش وبناي وعلي و ايدير آيت عمران من الطلبة المسجلين فيه في 1943 وهي كلها دروس عن دور المؤسسات التربوية الجامعية في التنشئة السياسية والثقافية ودور الأحزاب السياسية. إيدير آيت عمران الذي كان من منشطي هذه النقاشات، تعلم كثيرا في احتكاكه مع رواد الحركة الكشفية في مليانة وعلى رأسهم المجاهد الراحل حمدان بوزار، أيدير آيت عمران الذي ألف نشيدا بالأمازيغية للحركة الكشفية الجزائرية لتجنيد الشباب الكشفي في منطقة القبائل، بعنوان « اكر أميس أومازيغ » (أنهض يا بن الأمازيغي) وهي أغنية ثورية وصرخة ضد الاستعمار الفرنسي. الحركة الكشفية كانت أحد أهم أدوات التنشئة السياسية والثقافية في مسار الحركة الوطنية، إذ أن غالبية قادة الثورة التحريرية مروا منها، قبل أن يتم تدميرها مع منتصف ثمانينيات القرن الماضي، بعد أن حولتها الأجهزة الحزبية لكل من جبهة التحرير والتجمع الوطني الديمقراطي وحركة حمس إلى ساحة للاستغلال الحزبي السياسوي، فالكثير من قادتها استخدموا الكشافة وروح الشهيد محمد بوراس وجيل من مجاهدي وشهداء الحركة كمطية لدخول المجلس الانتقالي والمجلس الشعبي الوطني والمجالس الشعبية الولائية والبلدية، والخراب الشامل الذي حل بالكشافة اليوم يبين أن المجتمع فقد جزءا مهما من مؤسسات التنشئة السياسية والثقافية.

إحدادن.. من توجة إلى مليانة لتدريس اللغة العربيةثانوية الشهيد مصطفى فروخي لها قصة كذلك مع المجاهد والأستاذ زهير إحدادن، الذي التحق بها كأستاذ للغة العربية في 5 اكتوبر 1955، وقبل مجيئه اتصل بالشهيد عمارة رشيد طالبا منه أن يضعه مع شبكات جبهة التحرير في مليانة، وهو ما حدث حيث استقبله الشهيد مصطفى فروخي الذي رافقه وعرفه بالمدينة وبفوج بن خلدون للكشافة بمليانة.ويذكر الأستاذ إحدادن هذه التجربة في مذكراته، وهو الذي استغل تدريسه في الثانوية للتكوين السياسي للتلاميذ وتجنيدهم لمساندة الثورة، وهو ما سبب له مشاكل مع الأمن الفرنسي الذي تابعه قضائيا بتهمة التخطيط لتجنيد الشباب في الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين، وقد تابع الأمن الفرنسي الأستاذ أمام القضاء وحكم عليه بغرامة مالية تقدر بألف فرنك قديم دفعها في مكانه المحامي غرسي دون ان يخبره بذلك، وعاد إحدادان إلى مليانة عام 2016 بعد أن منع منها وطرد من قبل الأمن الفرنسي، ليلقي محاضرة حول الحركة الكشفية ودور مدينة مليانة فيها.أنهينا زيارتنا للثانوية بتبادل أرقام الهاتف مع مديرها، واقترحنا عليه مشروع وضع صور عن أهم القادة الذين مروا على الثانوية ونصب تذكاري يخلدهم ويساهم في تشكيل هوية المؤسسة وهوية المجتمع بعيدا عن الانغلاق والكراهية وسلطة الهويات القاتلة تحت أي عنوان كان. ساحة علي لابوانت…

من تمرد مايو إلى معركة مليانةساحة علي لابوانت المحصنة بجدار بناه الأمير عبد القادر، تطل على كل الظهرة في منظر خلاب يعطي لمليانة حصانتها وهيبتها، مشينا طول الساحة التي تحكي على مر التاريخ الأحداث الكبيرة التي عاشتها مليانة على مر العصور، وغير بعيد عن هذه الساحة توجد الثكنة التي تمرد منها المناضل في الحزب الشيوعي الفرنسي هنري مايو وهرب بشاحنة محملة بالسلاح يوم 4 أفريل 1956 اتجاه الجبال في الأصنام، وقد وجه هنري مايو أياما بعد ذلك بيانا للجرائد الفرنسية قال فيه على وجه الخصوص: « في الوقت الذي انتفض الشعب الجزائري لتحرير بلده من الاستعمار، فإن مكاني لا يمكن أن يكون إلا بين من قرروا إطلاق الكفاح التحريري. » روح علي لابوانت موجودة في كل شبر من هذه الساحة التي تتذكر معركة الجزائر جيدا، خاصة وأن أسبوعا بعد ذلك، وقعت معركة مليانة في 15 أكتوبر 1957، حيث أعاد المجاهدون الكرة بالهجوم على الثكنة العسكرية عن طريق مجاري المياه، ووقعت اشتباكات كبيرة مع قوات بيجار، وقد تعمد الجيش الفرنسي عرض جثامين الشهداء في ساحة مليانة في حرب نفسية لتخويف الشعب كما كان يفعل في كل المدن والقرى والمداشر. في بيت » جمال بن سماعيل »من ساحة الشهيد علي لابوانت إلى بيت الشهيد جمال بن سماعيل بحي العناصر، صور جيمي في الكثير من الشوارع ملصقة بالأشجار أو في السيارات، كل شيء يؤكد أن مليانة تسير على ساعة جريمة الاغتيال، لكننا لم نشعر بوجود أي توتر، فالمصاب جلل والصمت هو السائد، صوت الموعظة الصامتة.. وصلنا بيت الفقيد، واستقبلنا من والده الشامخ، ملامح وجهه كانت تبين أن الرجل متعب من كل هذه الأيام الطويلة، من هول المأساة وبشاعة الجريمة، ومن ضغط القنوات التلفزيونية والتلاعب المنتشر في شبكات التواصل الاجتماعي، وتوافد آلاف المعزين من كل ربوع الجزائر، بقينا عشر دقائق مع والده الذي كان قليل الكلام، ولكنه كلما تكلم إلا وتحدث عن الرحمة والحكمة.غادرنا بيت الفقيد باتجاه المقبرة حيث دفن، رافقنا في هذه المسيرة خال جمال، توقفنا عند قبره، قرأنا الفاتحة على روحه وأنا احدث نفسي « بأي ذنب قتل؟! ».في طريقنا إلى بيت الشهيد مصطفى فروخي، توقفنا عند ثانوية محمد عبده التي كانت مدرسة لتكوين الأساتذة، ومر عليها أجيال من الأساتذة، أشهرهم الروائية والشاعرة طاوس عمروش التي درست هنا في 1930، والمجاهد والمحافظ السامي للمحافظة السامية للأمازيغية إيدير آيت عمران، دخلنا الثانوية التي تطل ساحتها على منظر خلاب للظهرة، لكننا لم نجد أي معلم أو صور تتحدث عن تاريخها، ماعدا صورة ونبذة عن حياة محمد عبده الذي تحمل اسمه منذ جوان 1963 بقرار من الرئيس الأسبق أحمد بن بلة. دخلنا بيت الشهيد مصطفى فروخي، وأصرت ابنته على أن تكرمنا بوجبة الغذاء التي حضرتها من مواد منتجةبالمنطقة، اكتشفنا بيت الشهيد الذي تسعى ابنته لترميمه، وهي لا تملك إمكانيات ذلك، رغم أن الشهيد هو واحد من أهم إطارات الثورة وأول دبلوماسي استشهد من أجل الثورة.

حدثتنا ابنة الشهيد عن زيارتها العديدة لأغلب مناطق الجزائر، وعن الموسيقى الأندلسية والتبادل بين جمعية زيرية للموسيقى الأندلسية وجمعية أحباب الصادق بجاوي، وعن مستقبل هذا الوطن الذي يواجه تحديات كبيرة قد يكون الجهل أحد أهم المخاطر الذي تتهدده بسبب غياب التواصل بين الأجيال، وضعف مؤسسات التنشئة السياسية والثقافية والعلمية وغيرها. غادرت مليانة وأنا أتحدث لصديقي عن مآسي هذا الشعب بالأمس واليوم، وكيف يمكن أن تتحول حادثة اغتيال جمال بن سماعين إلى محطة لنهضة ثقافية شاملة في البلد لإنتاج المعنى ومعالجة العنف الاجتماعي، ببناء جسور الحوار عوض جدران الكراهية التي يسعى غالبية موظفي السياسة والمنتفعين لتعميقها.غادرت مليانة وقلبي يتألم من إعادة إنتاج الفشل، ومن بذور زرع الكراهية كسياسة ممنهجة، غادرت وأنا أقول كيف جمعت المدارس بين الجزائريين والجزائريات بالأمس ليتناقشوا ويتعارفوا من أجل مقاومة الجهل والفقر والاستعمار، والبلد اليوم بمائة وثمانية مؤسسة جامعية أصبح يعمق الجهل، بعد أن بنت سياسة التعليم قيطوهات سميت جامعات، قيطوهات حيث أن غالبية الطلبة والطالبات لا يغادرون ولاياتهم ليلتقوا بطلبة آخرين، قيطوهات لا يمكن إلا أن تنتج نواب في البرلمان يدعون إلى الكراهية، وأساتذة جامعات يمارسون الدعاية، ولا ينتجون المعنى، وحملة شهادات دون كفاءات، وأجهزة حزبية تختصر ممارسة السياسة في المناصب والريوع.غادرت وأنا أفكر في خيانة روح محمد بوراس والحركة الكشفية التي دمرتها الأدلجة والريع.. غادرت مليانة الثقافة وأنا أحدث نفسي عن جزائر اخرى يجب أن تولد، جزائر المواطنة وفقط، الجزائر التي يجب أن تبدأ كفكرة ونقاش ونشاط، لتكون ساعة الجزائر مضبوطة على ساعة مليانة، مليانة التصوف والمقاومة والثقافة، لتولد جزائر المواطنة التي تغرس الحب وتدفن الكراهية.. الجزائر التي تقصي الاقصاء وتستأصل الاستئصال، الجزائر التي تزيل الخوف وإلى الأبد.. جزائر الرحمة والسعادة كل السعادة…الجزائر التي لن تخفي شمس مليانة و شموس الجزائر المغيبة …

رضوان بوجمعة

أوت 2021م19

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici