حول إعادة الاستهلاك الانتخابي للسياسة بالجزائر

0
875

https://www.raialyoum.com/

بشير عمري

أثارت العديد من قوائم الترشيحات للانتخابات المحلية المزمع اجراؤها بالجزائر الشهر المقبل، تساؤلات الملاحظين حول سبب عودة الكثير من الوجوه القديمة في العمل الحزبي والنيابي، لاقتحام مجددا مؤسسات التمثيل الشعبي المحلي، في سياق وطني جديد يفترض أن يتجدد في أفكاره ورجالاته كي يتحقق الانتقال المرحلي الجمهوري الصحيح والحقيقي الذي رفعه شعار “الجزائر الجديدة” أو “الجمهورية الجديدة” بالتعبير الأصح والأدق.

ما هي دلالات هذه العودة الغريبة لتلك الوجوه إلى مسرح الترشيحات؟ وهل كان لخيبة الشباب في الانتخابات البرلمانية الماضية أثره في هذه العودة أو الغزوة للوجوه القديمة لقوائم الترشيحات المحلية تلك؟

فيال بدء يتوجب علينا الإقرار بأن أي تغيير لا يمكنه الانبساط في واقع المجتمع ما لم تتدافع فيه الأفكار، داخل الحركات ذاتها، وفيما بين أجيالها، قبل الحديث عن التدافع فيما بين التوجهات والحركات والأحزاب السياسية ككل، وأي انتفاء لهذا التدافع لن يكون له من معني وتفسير غير أنه ثمة سلطة متجاوزة للحركات عابرة للإرادات، ترسم طبيعة سير النشاط السياسي العام تحكم مصير المشهد السياسي وتوجه دفته حيث تريد، بوسائل مختلفة وهدفها الإبقاء على الوضع القائم بوصفه بغيتها الرئيسة وهذا على حساب تطلعات الوعي الجديد للمجتمع في قطاعاته الواسعة.

مثل هكذا حال وتجربة، تتجلى بشكل ليس له في الوضوح مثيل في الجزائر، إذ أفرغ ملكوت السياسة من جوهر محتوى عناصره الكبرى، كالحرية والتعددية والتداول على السلطة بمختلف مستوياتها وأنواعها، وباتت الأفكار والتصورات والحلول خارج مساق الشرطية للترشح بل يكفي أن تظهر صورة الشخص على القائمة لتضفي المصداقية أو لا تضفيها بالمرة على العملية الانتخابية بوصفها الاختزال المقيت للعمل السياسي بالبلاد.

إذن من هنا تتبدى للسائل عناصر الإجابة الأولى عن سبب عدم حدوث التغيير بالبلاد بالأليات الانتخابية منذ قرابة الثلاثة عقود، فالمعدَّة السياسة للبلاد لا يصلها أو يتدفق إليها، بإرادة مريد وقدرة قادر، جديد، لذا تعيد استهلاك ما بها من قديم، وفق ميكانيزم الاجترار الذي تتمتع به معدة الانعام، فتفرز العملية ذات الطرح وتخرج ذات المُخرجات وبالتالي يظل الاسطبل السياسي على حال واقعه وواقع حاله!

والمريع أنه من هاته الحركات والأحزاب التي ألفت الاندراج والاندماج التام وغير المشروط في العملية السياسية المضبوطة والمحكومة بل المحبوكة كي تصل في مطافها الأخير إلى عملية انتخابية جاهزة، قد عاودت ترشيح وجوه مستهلكة عبر كل مراحل العمل السياسي التعددي مند قرابة الثلاثين سنة مع كل ما حملته هاته المرحلة بسبب تلك الوجوه، من خيبات وانكسارات لكل المسارات التنموية والتجديدية للبلاد والمجتمع.

وطبعا ليس لمثل هكذا موقف وتصرف من دلالة سوى دلالة العقم الذي ضرب هاته الحركات وعلى رأسها الحركات والأحزاب الإسلامية حيث تطغى الصورة على الفكرة، في تأكيد كلي لنضوب الخيال السياسي لهذه المجموعات وتوقف الزمن فيها وداخلها وانحباس لعملية التوالد والتبدل الجيلي في صفوفها بما يكشف عن فراغ مهول في وعييها وعائها الفكري.

فاستمرار هيمنة ذات القيادات التي حضرت في صدر التحول السياسي الكبير للبلاد بعد دستور 1989 على مصدر القرار داخل هذه الأحزاب والجمعيات، أسهم في ابقائها داخل الدائرة الكبرى المقفلة التي تؤطر وتحد بحدود وهمية لكنها فعالة وفعلية النشاط السياسي ومديات الإرادة في العمل السياسي الحقيقي والجاد في البلاد ككل ، وعليه يمكن القول بأن بقاء مثل هاته القيادات “القديمة” على رأس هاته الحركات السياسية الرئيسة هو ضمان لبقاء هاته الحركات داخل الدائرة الاستهلاكية أو المعِدَّة السياسية الكبرى التي تضمن إعادة انتاج وطرح ذات المشهد ونتائجه السياسية.

فالذين ترشحوا من الوجوه القديمة، لم يقدموا حصائل وحسابات تجربتهم التمثيلية الأولى للشعب في المؤسسات التي ولجوها سواء البرلمان أو المجالس المحلية، واستفادوا هم وأهليهم وحواشيهم منها وليس المجتمع، وهذا ببساطة لأنه لا توجد داخل هاته الحركات آليات التقييم إرادة التقويم، لأن الجدوى منها مفقود بسبب طبيعة العملية السياسية التي تشترطها “المعِدَّة الكبرة المقفلة” والمجتمع غير معني بضبط العمل السياسي لافتقاره للشروط الموضوعية منها إرادة النخب الجادة، انعدام الحرية العملية وليس الكلامية وبقية العناصر الموضوعية التي لا يتسع هنا المقال والمقام لاستعراضها.

إذن عادت الوجه القديمة ممن سبق وجلست صامتة على مقاعد التمثيل الشعبي لتترشح في الانتخابات المحلية، بلا مشروع جدي ومصداقية سياسية وهدفها الوحيد هو الوصول إلى مجلس الأمة باعتبار أن المجالس المحلية وهي المؤدى الوحيد والأبرز إلى ذلك، بالإضافة على الثلث الذي يعينه الرئيس، ليعاد بالتالي تكريس ديمقراطية الواجهة من خلال مسرح الوجوه المحمولة صورها على القوائم الحزبية والمستقلة التي لا ينتجها مسار سياسي بل مسارب ومشارب سياسوية.

كاتب  جزائري

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici