القُطرية العربية والمعدود في صراعات الحدود.. الجزائر والمغرب مثالا

0
637

https://www.raialyoum.com/
بشير عمري

نشر الكاتب الصحفي والباحث الجمعي الجزائري نذير طيار على حسابه بالفيسبوك فقرة موجزة عما جرى ويجري حاليا من أحداث بين الجزائر والرباط، وما لفت الانتباه أكثر فيما قال نذير طيار، بعد أن أدان التحول الخطير للموقف المغربي تجاه الجزائر منذ التطبيع والدعوة عبر ممثل المملكة في الأمم المتحدة إلى إعطاء ما زعم أنه حق تقرير المصير لمنطقة القبائل، هو دعوته للسلطة في الجزائر إلى عدم الانجرار خلف ما يرًاد لها وبالتالي العودة إلى منطق الصدامات القديمة العربية – العربية التي سادت في فترة ما ولم تعمل أكثر من أن أضعفت من قوى ومواقف هاته الدول فيما لحق من عقود وعهود.

الحقيقة منشور الأستاذ طيار فيه الكثير من العناصر الغائبة في حقل خطابنا الدلالي السياسي حيث المعرفة الدبلوماسية وديبلوماسية المعرفة، مع الأسف، لا صوت لها في الحقل السياسي والوطني اليوم، على اعتبار أن هذا الفضاء كان قد تشكل عقبى استقلال الدولة القُطرية العربية، خارج أطر المعرفة بوصفها شرطا جوهريا للصناعة الحقيقية للتاريخ المؤثر الفعلي فيه، فإذا كان هذا الأخير هو من بُنات وبنَات العقل في البلاد التي تأسست على عمقها الحضاري بمراجعه ومرجعياته على اعتبار أن الحضارة في موصوف فلسفتها وتعريفاتها هي “امبراطورية العقل الخالدة” كما جاء على لسنان توينبي، فإن مفهوم الحضارة والتحضر كحركية دائمة للتسمية، لا تبرح نطاق الدراسات التاريخية النظرية الدارجة في مستأنس المقررات الدراسية حيث، كما أسلفنا، تنفصل ولا تتصل المعرفة بالعمل السياسي ولا يرقى العارف بمحصوله المعرفي ومحموله من العلوم إلى مصادر صنع القرار وإذ وصلها أو أوصل إليها، فسيجرد من كل متاع معرفي قبل أن يتجاوز عتبات المباني الرسمية والحكومية.

هكذا يتضح بلا غبش عمق المأساة التي يعيشها الوعي العربي بعمومه وخصوصه، بقوميته وقُطريته، وهو ما يحول دون أن يشمله التغيير حتى يغير ما بنفوس الأقوام ليغيروا ما بهم من ألم وهم وتخلف إلى درجة أن أصبحوا علامة دالة على هذا التخلف يشار إليها في العالم.

لكن وأخذا بمبدأ السياقات في اسقاط الظواهر والقواهر الواقعة في معترك التاريخ حاليا والذي نقف فيه في كل مرة كمفعول بنا لا كفاعلين، يجدر بنا هنا أن تساءل لماذا حصل مثل هكذا تصعيد غير مسبوق في المنطقة، لم يحدث مثيله حتى في ذروة الحرب الباردة، يوم كانت الجزائر تلاحق الشرق والمغرب يتيه وراء الغرب؟ علما أن وقتها كانت الصراعات والحروب الإقليمية بين الدول الغبية أسرع من أن تشعلها الدول الغنية، إلا أنه في الحالة المغاربية، عدا اشتباكات معزولة وقليلة جرت على المستوى بعض الخطوط الحدودية الرفيعة، لم ينجر النظامان في البلدين إلى حرب لا بإرادة والساخنة مثلما هو عليه الشأن اليوم.

ما هو مستبين للعقول الهادئة والناظرة بعمق لمتقلبات الواقع، هو أن حركة الوعي الجديد في العالم العربي، يراد اخمادها بكل الوسائل، حتى لا تنبسط ارادته (الوعي) في التغيير، فحدة الصراعات الإقليمية والحدودية الأخيرة لم تبدأ من المغرب العربي بل من مشرقه، فيما جرى في اليمن، اين تمت عملية عسكرة صراع التغيير إقليميا وإدمائه بعد أن كان النظام السوري قد عسكر الصراع الداخلي في سوريا للإجهاز بإذن ودعم روسي (حفاظا على نفوذه هناك) على ثورة التغيير التي طالب بها سلميا الشعب السوري، ثم امتدت حمى التصعيد الإقليمي من العسكرة إلى الاحتقان والتحالفات الكيدية فيما حدث في العلاقات الخليجية – الخليجية مضاف إليها مصر كطرف رئيس في عملية الاجهاز على ثورة الربيع العربي، من خلال حصار قطر وثنييها عن إيواء ثوار الربيع العربي والدعاية الإعلامية لهم.

هكذا إذن تبدو الصورة واضحة للعيان أن القُطريات العربية التي تأسست بلا إرادة وبالتالي بلا تاريخانية حقيقية، أصبحت اليوم عبئا على الشعوب التي تتغير في وعيها الجيلي وأجيالها الواعية، حيث القضايا تتجدد والمطالب تتعدد ومقدرة العقل التأسيس القطري الأولى تتهالك بفعل الزمن وفعل الآخر الذي استهلك كل قوى هذه النظم الاستقلالية مثلما استهلك ثورات الأقطار.

يجب على الجميع أن يدرك بأن منطق الصدام العسكري، بات من نماذج الماضي في فك الخلافات والصراعات، ودرجة الوعي العربي اليوم الذي بلغ لدى شبابه وشعوبه مديات عليا، يجب أن يرقى إلى مستويات تفكيك وفهم طبيعة هاته الصراعات بوصفها عائق نحو بلوغه مأموله ومأمنه وهو التمكن من أدوات بسط التغيير المفضي إلى انبلاج عصر جديد في حياة الشعوب والافراد، فالصين مثلا بكل قواها الكونية قادرة اليوم على ابتلاع تايوان في رمشة عين وانتزاعها من الرعاية والحماية الغربية وإعادة إلحاقها بالوطن الأم، لكن الحكمة الصينية وأثرها الدائم على يدها المحركة للأحجار على رقعة الشطرنج تأبى أن تلقي بها في مهلك القوة والتهور، في حين الحاكم العربي القاطع مع المعرفة والحكمة وحسابات الشطرنج الجيوبوليتكي، أسرع من أن يندفع بالغريزة التناطحية غير الإنسانية ولا البشرية في حلبة الصراع فيغدو هو بذاته حجرة على رقعة شطرنج كبار اللعبة في العالم.

هي في الأول والأخير مسائل معقدة ومستشكلة توضع كعقبات أمام الوعي العربي الجديد، بغرض أولا تعجيزه، باعتباره متجاوز لشروط التأسيس القطري وغير معني عمليا بالخلافات التي تمت بين النظم العربية، وبذلك تُفتح أمامه ملفات الماضي تلهيه عن فكرته المستقبلية التي يمكنها أن تتجلى أو تنطرح عمليا إلا بنجاح ربيع الثوري في احقاق التغيير، ثانيا تروم عملية تحريك الصراعات الحدودية والأيديولوجية العربية – العربية القديمة الحيلولة دون زوال هاته النظم قبل التمكين لمشاريع قوى الاستكبار الكبرى في إعادة رسم خرائط العالم ونظمه الاقتصادية والسياسية بحسب مؤشرات الصراع الحاصلة والمتوقعة.

كاتب  جزائري

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici