الانحراف “الريسوني” ودلالاته على احتباس العقل السياسي الاسلامي

0
344


Aug 16, 2022

https://www.raialyoum.com/

بشير عمري

ليس ما أثارني شخصيا في التصريحات الغريبة لأحمد الريسوني رئيس ما يسمى بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين هو عدوانيته على الجزائر وموريتانيا ولا التحريض على الهجوم على جزء من أرضيها من اجل استكمال الوحدة الترابية للمغرب التي رسمها علال الفاسي، فالعدوانية الكلامية والإعلامية لم تتوقف ولن تتوقف إلا بأمر ملكي لسلطة القصر على القول والعقل، لكن ما أثارني أكثر هو هذا التعري التام للعقل الإسلامي وتأكيده في موقف أحد من يمتلكون آلية الإفتاء على افتقاره للموضوعية والمعقولية التاريخيتين وبقائه (العقل) بلا ترويض جامحا خارج حلبة التاريخ وهذا من خلال أدوات التحليل التي كان يقرأ بها شرعيات اللحظة على جغرافية السياسية والسياسة الجغرافية، شأنه شأن الكثر ممن يشتغلون في حقل الدعوة الإسلامية بالمغرب فكرا وحركة.

أعترف في البدء أنني كنت أعتقد بأن أزمة العقل السياسي الاسلامي في فكره وتفكيره يستقر في المعضلة الوطنية وكيف استعصى عليه استيعابها لخصيصتها في النشأة وخصوصيتها في السيرورة، والتي تقطع في عناصرها مع الحاضر في مسرودات الفكر السياسي الإسلامي المحتبس في أحكام وفقهيات سلطانية قديمة، كانت في جلها محل إشكالات للأمة في لحظة انبثاقها الأولى، فكيف والحال بها الآن بعد خمسة عشر قرنا من أزمة الشرعيات عبرت عنها الثورات والتمردات والتلاعبات بالولاءات والبيعات، لا زال صوت دمائها يقرع من مسرودات التاريخ في أفئدة الناس، وما حادثة مقتل الحسين لأجلى وأجل دليلا في هذه المسألة تحديدا.

لكني بكلام الريسوني وأشياء تحليله وتعليله وتهليله لموقف الرسمي المغربي من مسألة الجغرافيا السياسية لبلد حاجته الكبرى لليوم والغد في التاريخ والجغرافيا، بسبب التخلف والفقر على غرار كافة الأوطان العربية، تفوق الحاجة للماضي الذي نشأ عن ارادات وتصارعات عدة، وإذا كانت معضلة الراهن تبدو من الاستعصاء على الحل مهولة وتلامس الاستحالة حتى، فما الذي يمكن قوله عن الناجز الماضوي؟ – بكلام الريسوني ذلك – اكتشفت بأن الفكر أو بالأحرى التفكير السياسي الإسلامي منه الذي يمثله الريسوني والاسلاموي الحركي الذي يمثله أبو زيد مقرئ الادريسي واللذان يفترقان تنظيميا ويتحدان وظيفيا وبشكل أخص في المشكلة القطرية المغربية، أن هذا الفكر أو التفكير ليس فحسب يعاني من مقتضيات الراهن وعدم قدرته على استيعابها لحداثتها واحتباس العقل الإسلامي سياسيا في إشكالات النشأة الأولى، بل أنه يعاني من معضلة استيعاب هذا الماضي ليس فقط من خلال السقوط في عملية استحضار واسقاط عناصر قديمة وتوظيفها لتبرير بشكل اعتسافي وتعسفي مظاهر وأنظمة أنجزها التاريخ على الأرض، هذا الناجز التاريخي المتغير بحسب الظروف والطوارئ الزمنية كان الإسلام ذاته ممن استفاد منها عبر فتوحات امتدت شرقا وغربا وحقق بالتالي على رقع الجغرافيا تغيرات اثنية وثقافية وحدد أحواز (حيز) مكانية جديدة، وإنما في فهم تلك العناصر أو إعادة فهمها وفق مستجد الصحوة ذاتها الذي تم حصره في الجانب العاطفي والتديني الشعبي دون الجانب الموضوعي والعقلاني، ولعل هذا ما سبب للتيارات الاسلاموية حالة الغربة والاغتراب التي وجدت فيها في السياق الثوري الشعبي أو ما عرف بالربيع العربي وجعلهم يتهاوون تباعا بعدما انتخبهم الناس ولم يبايعهم !

أقول هنا البيعة، لما أورده أحمد الريسوني من مبررات المطالب الترابية في الجزائر وموريتانيا وتحريضه على ضرورة السير الرسمي والشعبي “غير التاريخي” على جغرافيا تاريخية تحققت بفعل موضوعية هذا التاريخ وتقلباته، فالبيعة التي كانت سببا فيما حصل للمسلمين من مآسي لا تزال واقعة كربلاء شاهدة عليها، كان حسن الترابي وهو من القلائل الذين أثروا مسألة وجوب انخراط العقل السياسي العربي في حركة التاريخ بتجديد أصوله وأدوات التفكير، قد نقدها بل ونقضها مفهوما وممارسة وأصل لبعدها الشرعي بكونها بيعة لله وليس للحاكم، ولا يهم هنا في اجتهاد الترابي الخطأ أو الصواب بقدر ما يهم تحريك صخرة المفاهيم التي ظلت جاثمة على صدر العقل الإسلامي السياسي.

الريسوني وقبله مقرئ الادريسي من خلال تبنيهم لمنظور علال الفاسي التوسعي الجغرافي، يستند على الحضور القبلي على الأرض والولاءات والبيعات التي سبق وقدمها أعيان وقادة القبائل البدوية لسلطان المغرب في الغاء تام لسير تطور التاريخ باعتباره وعيا بالمكان متغير ومتنام، يؤكدان على خطيئة ألغاء القطيعة مع سبل التفكير غير الموضوعية للتاريخ والسياسة بوصفها أنشط عناصر هذا التاريخ.

هاته العناصر الموضوعية نراها متموضعة بقوة في التاريخ السياسي الجزائري من خلال الحضور للحركة الوطني بوصفها التعبير الحديث عن اللحظة القطرية وشاكلة الوعي السياسي بالمكان لحركة الشعوب بالمناطق محل مطالب غير موضوعية مغربية فيما ينعت في الخطاب السياسي المغربي بالصحراء الشرقية (بشار وتندوف)، فلم يكشف التاريخ (القطري) الوطني الجزائري عن حضور للحركة الوطنية المغربية بهاته الأقاليم، لا حزب الاستقلال ولا تيارات اليسار، في حين يحضر التراث الثقافي والفكري والإداري لكل تشكيلات الحركة الوطنية واحزابها وجمعيتها، استوى بفضل حضورها ذلك واكتمل الشعور والوعي السياسي الوطني لدى الساكنة على نفسه.

وإذا كنا لا نرى اليوم في النخب الإسكندنافية من يرفع مطالب وحقوق ترابية لبلده داخل بلد آخر وتعيش الشعوب الفياكينغ هناك بسلام وفق مستجد التاريخي ما بعد امبراطوري، فإنه مع الأسف لا يزال التفكير لدى النخب السياسية والدينية يُراوح مكانه بين التراث الميت والتدبير المميت لمصالح الأمم والشعوب، فالفرق كبير فيما بيان الحضور الوعي الوطني بالمكان، والاستحضار القبلي له، فالتاريخ هو من له سلطان على الجغرافيا وليس العكس، ولكن طالما أن مجرى التاريخ في المعرفة كما في الوعي يظله محتبسا في أقاصي الأزمنة في نشاط العقل وأهله لدينا، فستظل مفرزاته ومخرجاته لدى أمثال الريسوني والادريسي غير العقلانية تعوق كل مسارات الأمة للخلاص من أسمال وأسماء للماضي المسممة للمكان وزمان ووغي الانسان.

كاتب  جزائري

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici