سؤال السياسة والتاريخ في الوطنية الجزائرية المأزومة!

0
656


Oct 24, 2022

https://www.raialyoum.com/

بشير عمري

يثير في العادة سؤال التاريخ والسياسية في الجزائر، حالما ينطرح، طبعا خارج أطر العمل السياسي الحالي، جدلا واسعا حول جدواه وجدوى مطلب الارتجاع إلى الماضي لمحاولة معرفة بنية العقل السياسي الجزائري وما أفرزه في مسارات نمو وعيه من مفاهيم خاصة بقيام الأمة واستقامتها على “نسق وطني” خاص.

ولكي نصل بالتحليل لهاته الظاهرة الجدلية يلزمنا مساءلة تجربة الحاضر السياسي بكل ما شملته من أزمات وعتمات عسى أن نصل من خلالها، إما إلى شرعنة السؤال الاشكالي الجدلي ذاك، وإما محاولة الإجابة عنه في سياق هذا المقال المقتضب إذا أمكن الحال.

وطبعا ليس أفضل من يمكنه أن يعكس قلق السياسة والتاريخ في واقع الجزائر اليوم، من الطبقة التي ظهرت في اعقاب انقلاب 1992 وهنا يبرز السؤال بجلاء وجلل، هل عبرت حقا تلك الطبقة، لا سيما منها تلك التي حكمت وتحكمت في المجتمع طيلة العقود الثلاثة الماضية، عن “الوطنية الجزائرية”؟ وأي وطنية بخلاف الموروث التحرري يمكن اللجوء إليها في مسعى “الاستدراك الوطني للسياسة” وبناء جمهورية جديدة حقا؟

عندما وقفت جل كوادر منظومة حكم بوتفليقة أمام المحاكم بتهم الفساد بعد أن هدَّ وهدم على رؤوس كهنة معبدها الموج الحراكي الشعبي العاتي سنة 2019، أول سؤال يكون قد تبادر لأذهان الراسخين في القضية الجزائرية ومرض البلاد السياسي العضال، هو ما علاقة هؤلاء (العصابة) بالوطنية الجزائرية؟ وكيف استحال من خلالهم العمل السياسي إلى حقل اجرام بعد ما تم اخلاء السياسية من الاخلاق ولكن خاصة من أصولها التاريخية في التجربة “الوطنية” التي بها تقدس الوطن وتدنس أعداؤه من الحرْكي والأقدام السوداء، الذين دعاهم أويحيى في آخر خطاباته للقدوم والاستثمار في الجزائر؟

 المؤكد أن هاته الطبقة بما افرزنه في أخر حلقاتها من “عصابة”، لم تعبر عن أساس المشترك الأول للجماعة الوطنية والذي هو “التحرر” فكونها طبقة وليدة انقلاب حدث ضد الإرادة الشعبية المغبر عنها في انتخابات 26 ديسمبر 1991 التي حدت مسار الديمقراطية والتعددية باعتبارهما أهم عناصر العمل السياسي الحر، لا يمكن إلا أن تلغي أي منزع تحرري أو مطلب لـ”الحرية” بحجة أن وعيها غير متوفر اجتماعيا وسياسيا وبالتالي فهي تظلها محل تهديد كلي ودائم للوحدة الوطنية وللنسيج الاجتماعي للبلاد.

هكذا حجاج وتبرير لجرم الاجهاز على الحرية باعتبارها الأصل النظري للتحرر، ليس فقط يبرر عملية الانقضاض في شتاء 1992 على المسارات الثلاثة التعددي، الديمقراطي والانتخابي، بل ويبرر ما سبقه من استحواذ على السلط واستبعاد الخيار الحر للشعب “الغاشي” للبت به في مصير البلاد والوطن، وهو ما ينسف كل الخطاب النقدي لأحادية التي ثار ضدها الشعب في أكتوبر 1988 بوصفها المؤدي الرئيس للانهيارات الكبرى التي عرفتها دولة الاستقلال بعدما دب فيها الفساد كنتيجة حتمية وسببية وطبيعية لغياب أو تغييب الحرية، بمعنى أن المجتمع قد انتقل من فكر التحرر من الاستعمار إلى مشروع وطني جديد – قديم خال من أي فكر وتحديدا من كل أساس للحرية ومشتقاتها !

وحين غابت الحرية كأساس للبناء الوطني بعدما كانت أساسا للتحرر “الوطني”، ضاعت مرجعية الكينونة الخاصة بالأمة ومعها ضاعت الفضائل المجتمعية والوطنية، وتكرست بشاكلة أكثر حدة ظاهرة الفساد  السياسي واغتنام الوطن على اعتبار أن السياسة تفسد حين تفلت من الاطار المرجعي، وقد عبرت عن هذا عصابة بوتفليقة بشكل جاهر وفاجر، ما جعل الكثير حتى من الأجيال المتأخرة تستحضر روح ثورة التحرير الوطنية في نقدها ونقمها على تلك العصابة، باعتبار أن الوطنية الجزائرية الأولى لا تزال في جل معانيها وروحها مترسخة في نفوس الجزائريين بسبب حجم التضحيات التي قدمتها في سبيل “التحرر” والاستقلال الوطني بوصفها طهر وقداسة ومعالم في طريق المستقبل وهو ما لم يرج فهمه أو يحيى وهو يسعى لتكريس القطيعة مع الوطنية الأولى بدعوة كل من حارب ثورة التحرير الوطني ( الحركى والاقدام السوداء) للمشاركة في بناء اقتصاد جزائر من دون مرجعية وطنية !

فدخول السجن لرؤساء الحكومات السابقة، أحمد أويحيى، عبد المالك سلال، نور الدين بدوي، ومعهم الكثير من الوزراء ومن يسمون بأطر الدولة، كمسئولي الأحزاب الحاكمة والتي شاركت في الحكم، وعديد مسئولي رجال الجهاز التنفيذي من ولات، طبعا بصحبة الأذرع المالية من رجال أعمال مصطنعين وأخر منتدبين (جيء بهم من الخارج)، ليس سوى علامة كاشفة عن السقوط في اللا مرجعية وطنية، سببها التحولات عبر الانقلابات الخالية من كل مشروع حقيقي يعبر عن بحرية عن حقيقة المجتمع وعن تطلعات قواعده الشعبية الكبرى التي كفت النخب بوهم التحليل والتعليل عن التعبير عنها.

فالتاريخ ليس كما يتصوره البعض حزمة من الحقائق أو الأكاذيب “المينة” بموت الزمن، وبالتالي لا جدوى من استعادته إلا رمزا في المخيال العام المشترك، بقصد الاحتفاء والاحتفال الفولكلوري، بل هو (التاريخ) مربط عضويا بالحاضر باعتباره جُماع لبنات البناء الوطني الأول، وأي محولة لاستبعاده أو الانتقاص من درجة فعاليته في فهم الحاضر وتشكيله وضبط المستقبل وتخيله، سيكون دون أدنى شاك مآله “البناء الوطني” الانهيار الكلي.

ومن حسن حظ الجزائر أن وعي شعبها بذاته ومصير بلده قد ارتبط بذاكرة الدم، سواء في فترة الاستعمار، أين قدم الملايين من الشهداء على مدار قرن وزيادة من الاستعمار، ثم مليون ونصف مليون شهيد في سنوات الثورة “التحريرية” 1954-1962، ثم قرابة الربع مليون من ضحايا ما يسمى بالمأساة الوطنية أي الحرب الأهلية التي امتدت من 1992 إلى 2000، وهو ما شكل في مسار تشكل الوعي بالذات وضرورة الحفاظ عليها واحجة موحدة، نمطا مغايرا ومخالفا لكل التجارب الوطنية بالمنطقة بل ولربما بالعالم بخصوص تجلي “الأمة” باعتبارها كينونة قديمة وليس كما ادعى بعضهم بعلم وبغير علم أنها مصطنعة أو مخترعة، نسقها الخاص قائم على جدلية أزلية بين رغبة الاخضاع وإرادة التحرر المستمرة باستمرار مبررتها في السياسة إلى أن يأذن الله بمنقلب صحيح في التجربة الوطنية لهذا البلد الذي بقدر ما عسرت ولادة الشرعية فيه بقدر ما رسخت وقوت لحمة الوحدة لدى شعبه.

كاتب جزائري

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici