بلاغ في فائدة تيار الاستئصال في عمره الواحدة والثلاثين!

0
627


Jan 11, 2023

https://www.raialyoum.com/

بشير عمري

واحد وثلاثون سنة مرت على أخطر باردة سياسية في تاريخ الجزائر المستقلة ألقت بها إلى أتون أغرب وأرعب حرب أهلية في زمن البشرية كونها تمت خارج نطاقات الصوت والصورة رغم أنها صادفت في اندلاعها بداية انتشار البث الفضائي الواسع.

واحد وثلاثون سنة بين من أيد البادرة من نخب ترى في العنف الرسمي وسيلة لعلاج مجتمع سيثب الوقت فيما سيستقبل من أمره، أن دواءه ليس يكمن في العنف بل في الاعتبار الذي يتوجب أن يرد إليه بوصفه صاحب السيادة، ونخب أخرى سكتت خوفا ووجلا تنتظر الايعاز بالحركة والكلام وهنا أيضا يكشف الزمن لاحقا أنها نخب ميتة ليست ذات فائدة للبلاد والعباد في شيء وستكون حجر عثرة لا حقا في مسار جدل الوعي التغييري المتنامي في المجتمع لدى أجياله الجديدة.

وهنا تحديدا يفرض السؤال الجوهري حضوره بعد كل فواتير الدم والدموع التي قدمت قربانا لـ”الديمقراطية” أين هو تيار البادرة الخطيرة تلك من “المسألة الوطنية” اليوم؟ أين النخب تلك التي عبرت بالدم على مراحل التحول الطبيعي من أجل أن تنقذ الوطن من نفسه؟

سيقول السفاء ممن تبقى من تلكم النخب أو ممن تلاهم من أسلافهم والمقتفين لأثارهم، بأنه لولا حركة الـ12 جانفي 1992 بمساوئها ومآسيها، لكانت الجزائر اليوم في عداد الأمم الجاري البحث عنها في شوارع وأزقة وعشوائيات الزمن والأمم من حولها تصنع لها حضورا في تحت أنوار “نهاية التاريخ” تتنعم بالديمقراطية وتتنغم الحرية !

لنسائل إذن اليوم منتهي المسارات العكسية الاستثنائية، تلك التي فرضت كبديل عن المسارات الطبيعية الثلاثة الموؤدة، المسار الانتخابي، الديمقراطي والسياسي العام، عما طرأ حتى عاد الشعب واستجمع اراداته ووعيه وتحرك للإطاحة ببوتفليقة ونظامه الذي كان التاج المرصع لحركة 12 جانفي.

الحقيقة هنا واضحة ومتجلية بشكل لا يذر للغبار قوة للتأثر على الرؤية، وهي أنه مثلما عرت أحداث أكتوبر 1988 فرية مشروع قادة سلطة الاستقلال الأحادي والحاد عن جادة الصواب، كشف حراك 2019 فشل وكذبة دعوى إنقاذ الجمهورية والوطن من السقوط في غياهب الإرهاب وظلام التاريخ، على اعتبار أن السقوط قد حصل فعلا، لكن في غياهب أخرى، فساد غير مسبوق في تاريخ الإنسانية وارتكاس كبير في نمو المجتمع على مختلف صُعد نشاطه.

وليس يحتاج الأمر هنا دليلا، فقط عملية استشراف قصيرة في صحراء السياسة الممتدة في الجزائر ستجعل المرء يرى خاربا قائما من 1992 ونخب الإنقاذ من “الإنقاذ” تتساجل، تتلاسن وتتساجن، أي يطارد ويسجن بعضها بعضا بسبب سوء السلوك في توزيع غنائم حرب الديمقراطية.

كان أحمد أويحيى وعبد السلام بوشوارب ممن قُذف بهم من نطاف سياسة الاستئصال إلى مسرح السياسة والسيادة، إلى جانب أسماء من الوطنية المأسورة كجمال ولد عباس وعمار سعيداني وبعض من الإسلامويين المبتذلين والمبدلين على شاكلة عمار غول وانتهاء بالسوط عفوا الصوت الديمقراطي الثقافي كخليدة تومي وعمارة بن يونس، كان هؤلاء جميعهم أبطال مسرحية الترشيد السياسي الذي أعلن عنه كبديل لسحق المسارات الثلاثة الموؤدة عشية 12 جانفي 1992.

أين مستقر تلك الأسماء اليوم؟ لسنا بصدد الاشارة إلى السجن، فالسجن في السياسة له طبيعته وقوانينه الخاصة في دول العالم الثالث والدول التي لا قيمة لسيادة الشعب على مؤسساتها وسلطتها، إنما أسأل عنهم في ومحصلة الوعي الوطني الجديد الذي صنعت أجياله الجديدة التاريخ هاته المرة ولم تتلقاه عن أفواه آخرين كما كان الحال دوما مع مسألة ثورة التحرير وكيف توصل المجتمع عبر الحركة الوطنية إلى تفجيرها قبل أن تنفجر الحركة تلك عقبى الاستقلال.

لقد جسدت الأسماء تلك ومن هو على شاكلتها عبر كل المستويات في المسئوليات والمؤسسات الحالة البائسة التي وصلت إليها حركة 12 جانفي 1992 وفق مقولة ما بني على بطل فهو باطل، أسماء أخلطت في حسابها وتقديراتها بين مقتضيات حركة التاريخ وتاريخ الحركة (البادرة الانقلابية) وحسبت أن المسار الجديد سيبلغ منتهاه غصبا عن التاريخ وعليه فهي في حماية تامة تضمنها قوى البادرة فانساقت إلى مسلخ وممسخ التاريخ من خلال سجنها بدنيا وتنجسيها في الذاكرة الوطنية بعد وسمها بالعصابة ووصمها بالعار.

من هنا يتبين ما لحركة المجتمع في فضائه السياسي المتصحر من ترابط مرحلي لا يجب السير فيه بمنطق التوجيه القصري الذي يعمد إلى التقطيع بين تلك المراحل عبر الادعاء أنه لا علاقة لتلك المرحلة بهاته التي نحياها اليوم إطلاقا، متتالية التاريخ الوطنية حقيقة في رياضيات زمن السياسة، كلها مراحل يركم بعضها بعضا ويركب أو يركل بعضها بعضا، فمثلما تمضي الديمقراطية الامريكية بسلاستها المعهودة منذ قرنين ونيف دون انقطاع تجعل منها باقية متبقية على عرش الامبراطوريات المعاصرة، تمضي أيضا الانكسارات في التأسيس الديمقراطي للبلدان التي يغيب أو يُغيب فيها الفاعل السيادي عن عملية البناء الوطني الحقيقي.

حال نخب خطاب الاستئصال التي كانت في بداية باردة 12 جانفي 1992 قد حلت محل نخب المغالبة الاسلاموية، يكشف مدى انسحاق العقل السياسي الجزائري، وسقوطه المترد والمستمر في وهدة الخراب، والأمر ليسه طارئ أو كامن في تلك البادرة أو مبتدئا معها، بل إلى الأيام الأخيرة من عمل الحركة الوطنية حيث رفع سلاح النار للتحرر من الاستعمار وألقي بشكل غير مبرر سلاح مقاومة الاستحمار واستدمار الذات.

وأي نظرة متسطحة لتلك النخب المسجونة المنجسة من قوى الاستئصال، تحصرهم في البعد الاجرامي المتعلق بالفساد المالي المعزول عن مسار سياسة السلطة وسلطة السياسة، لا تنقذ إلى أعماق حقيقة ظهورها ومسار تقلبها ومنتهى منقلبها، لا يكمن إلى أن يغدو قراءة أخرى خاطئة للسياسة وللتاريخ الوطنيين واجتزاء معتسف لحقائقه، وتبديد جديد لثروة تراكمه التي منها يتغذى الوعي ويتقوى الايمان بضرورة التغيير لدى الأجيال المتلاحقة   !

كاتب  جزائري

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici