من الوعي التحرري إلى تحرير الوعي

0
461


https://www.raialyoum.com/
بشير عمري

لم يخلخل الربيع العربي أساسات البناء القطري العربي الهش على صعيد نظم الحكم الفوقية وما أحاطها من مسرح سياسي عرائسي فحسب، بل امتد إلى غائلة الأفكار مفجرا الأسئلة التي لم تخطر على الضمير الوطني العربي مذ نهض حتى قبل أن يصحو في مشروعاته الكبرى أيام محمد عبده، والأفغاني ورشيد رضا، ومن تلك الأساسات التي امتدت اليها الخلخلة التاريخية الكبرى لحراكات (جمع حراك) الربيع العربي، هي تلك المفاهيم المتقافزة في الخطاب ونظامه المعرفي والسياسي المتداخل كالتحرر والحرية والضمير والوعي، وهذا ما استشكل على الشارع في معركة فك الارتباط بمشروع دولة الاستقلال الفاشل الذي استحال من طوق نجاة على طوق استبداد، وانطرح على النخب المثقفة بوصفها حالقة دوما في سحاب النظر التاريخي متحررة من مجاذب الواقع حيث عذابات الشعوب والافراد وهم يعجنون في طاحونة الدم والعرق.

ماذا عنت عبارة الوعي التحرري التي رفعت تاريخيا على نطاقين زمنيين قبلي وبعد، أي قبل الاستقلال وصاحب فيما بعد مسيرة المشروع الوطني؟ وكيف استحال واقع التعايش الخطابي معها بعد نصف قرن من الوجود الوطني المستقل؟

من النظور القبلي للمصطلح، عنت عبارة الوعي التحرري للشعوب العربية المقهورة في التاريخ المنزاحة عن حقيقة نظامه التدافعي والتوليدي للفكر ولغة الصراع الدولي، التحرر الوطني من الآخر الحاضر بعنف في جغرافية الذات، لم يتجاوز الوعي الشعبي هذا الحد من الدراية بالمفهوم حتى لو حاول اليسار الحامل لهذا الخطاب، تأكيد غير ذلك وجعله وعيا شاملا يتجاوز المنظور المحلي المتشكل من مفاهيم عديدة تتداخل في ضبطها ونسجها أزمنة عدة بما تحمل من موروثات ومعتقدات ورؤى ليست تتصادم مع فكرة الوعي التحرري بل تقطع معها أحيانا، ولعل هذا ما جعل اليسار في عنفوانه الأيديولوجي غريبا في المجتمعات العربية حين يحاول أن يعبر بها بجهازها المفاهيمي المركب والمعقد في بساطته إلى حيث لا طاقة ولا إرادة لها.

من هنا انطرح السؤال الما بعدي بقوة هل كان أساس معركة التحرر وعيا أم ألما تاريخيين؟

طبعا يقتضي اللجوء إلى افترض حضور وعي تاريخي وليس ألما، السؤال عن مآل مشروع التحرر؟ ولماذا انتكس الانسان العربي على مدار ستة عقود ونيف من تحقيق الاستقلال الوطني؟

اضف إلى ذلك فإن الوعي التاريخي بمنظومة صراعاته حين تمتد افقيا في المجتمع، فإنها لتثيره وتثوره بإزاء كل محاولة المس بكيانه المستقل فرديا في نطاق الحق الإنساني وجماعيا في الاطار الحضاري الدولي، ولعل أبرز من اختزل هذه الحالة كان المفكر الراحل مالك بن نبي في عبارته الشهير “القابلية للاستعمار” التي هي في الأول والآخر اللاوعي التاريخي بالحرية قبل أن تتأزم وتغدو تحرر.

لكن ما هو المسار الذي سارت عليه ثم صارت إليه معركة الوعي بعد أن جردت إثر سقوط المشروع اليساري من متلازمها ومزاملها مصطلح التحرير؟

الحالة التي آل اليها الوضع العربي على نطاق التفكير وحركية التغيير، طبعها ما يمكن تسميته بعراك الوعي وليس معركة، ذلك لأن المفاهيم والأدوات الشاخصة والمشخصة للحالة العربية تعاظمت في عدد مشاربها الفكرية وتناقصت في اتصالها بالتاريخ الخاص لهذا الحيز من المجتمع الإنساني الذي يملك في منطلقاته خصيصة تقتضي الارتكاز عليها في التأسيس لجهاز وإرادة التغيير.

من هنا صار الوعي يتجرد من مفهومه المركزي باعتباره إدراكا للتاريخ ومتقلبات التدافع والتصارع فيه إلى أيديولوجيا خاصة من لم يمتثل إلى حوزتها فهو كافر عن طائفة وظلامي عند الأخرى، رجعي لذا جماعة وتقدمي لذا أخرى.

وعلى هكذا أساس اقتضت الضرورة الحراكية للربيع العربي استعادة المتلازم الأول للوعي وهو التحرير، لتقفز بها إلى صدر العبارة فيغدو الطرح الاسلم والانسب للمرحلة هو “تحرير الوعي” وليس “الوعي التحرري”.

وهنا تصبح المقول أكثر مرونة وتمدد بحيث تشمل في خطاب الثورة بكل موجاتها جل الشرائح المجتمعية، بدء بالمثقف والنخبة اللذان لم ينتجا مشروعا ثوريا عبر تراكم نظري كان سيقود إلى قلب المعادلة التاريخية، لفرط انحباسهما وتحصنهما بمسألة الوعي الذي يلزم القواعد الشعبية بالصعود إليه حيث هما (المثقف والنخبة) قابعين في علياء برجهما يستأنسان به، ما جعل السلطة السياسية مراقبة بشكل شرس للمبادرة الثورية والتغييرية.

فأصبح المثقف والنخبي شأنه شأن الشعبي ملزما بالتحرر من وعي خاطئ في الحضور بمسرح التاريخ، ملزما بمعاودة قراءة الواقع وفق جهاز مفاهيمي جديد يحمل في طواياه ومنظوماته المتغير الذاتي والآخر خارج منظومة الأفكار الجاهزة التي تسلح بها واستمر في حملها حتى صار ينتحر بها من حيث لا يدري.

إن مركزية التحرير اليوم في خطاب ثورة الربيع يجب أن تستوعب في سياق فكر النهايات الكبرى الذي تبشر به مرحلة ما بعد الحداثة في بعض من ملامحها أو لنقل ظلالها التي قد تمتد إلى واقعنا العربي المأزوم في التاريخ، ونهاية المثقف والنخبة العربية بحسبانهما سلطة رمزية أو رامزة لا تنتج فكرا بل تفكر في انتاج أضحى أول خطوات تحرير الوعي قبل أي مشروع تغيير يرتجى منه هدم أساسات الرداءة التي على انقاضها تم بناء كيانات الاستقلال الهش في عموم ربوع ما يسمى اليوم بالعالم العربي.

كاتب  جزائري

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici